بعيدا عن صخب مراكز الأبحاث التي لا تتوقف عن عد أجهزة الطرد المركزي في “نطنز”، هناك ما هو أعمق من الأرقام والنسب المئوية للتخصيب؛ نحن أمام عقل سياسي لا يفكر بالدورة الانتخابية القادمة بقدر ما ينشغل بترميم إرث إمبراطوري موغل في القدم. في طهران، لا تدار السياسة الدولية في المكاتب المكيفة فحسب، بل تنسج في “بازارات” التاريخ، حيث يباع الصبر ويشترى الوقت. إيران اليوم ليست مجرد دولة تواجه عقوبات، بل هي حالة سوسيولوجية متفجرة تحاول الموازنة بين “الميدان” الذي يمنحها الهيمنة الإقليمية، و”الشارع” الذي بدأ يسحب من تحت أقدامها بساط الشرعية.
طالما وصف المحللون السياسة الإيرانية بأنها تشبه صناعة السجاد العجمي، وهي استعارة رغم استهلاكها، لا تزال دقيقة. فالإيراني لا يبحث عن “الضربة القاضية” في جولة واحدة، بل يراهن على تراكم “العقد” الصغيرة التي تشكل في النهاية لوحة نفوذ معقدة. خذ العراق مثالاً؛ هناك لم تكتف طهران ببناء تحالفات سياسية مهتزة، بل تسللت إلى مفاصل الحياة اليومية، من ممرات السياحة الدينية إلى خطوط الغاز والكهرباء، وصولاً إلى هندسة مجتمعات موازية تدين بالولاء للأيديولوجيا قبل الجغرافيا.
هذا النفوذ ليس مجرد “احتلال” عسكري بالمعنى التقليدي، بل هو “استحواذ سوسيولوجي” يجعل من أي محاولة لقص أجنحة إيران في بغداد عملية جراحية دامية قد تودي بحياة المريض نفسه.
وعلى طاولة المفاوضات النووية، يبرز هذا النفس الطويل بوضوح أكبر. بالنسبة للمفاوض الإيراني، النووي ليس غاية تقنية بل هو “درع الهوية”. إنه الأداة التي تضمن له الجلوس كـ “ند” أمام القوى الكبرى. والمفارقة هنا أن طهران تجيد فن “الرقص على حافة الهاوية”؛ فهي تصعد التخصيب لتثير ذعر الغرب، ثم تلوح بـ “المرونة البطولية” لامتصاص الغضب، في حلقة مفرغة هدفها الحقيقي هو انتزاع اعتراف دولي بمجالها الحيوي في الشرق الأوسط.
لكن، وهنا تكمن العقدة التي قد تنهي اللعبة، هذا العقل الذي “دوخ” العالم ببراعته الدبلوماسية، يبدو اليوم عاجزاً أمام شعبه. نحن أمام انفصام حاد بين “دولة الثورة” التي تمد أذرعها إلى المتوسط واليمن، وبين “دولة الرفاه” التي تآكلت حتى العظم. الاحتجاجات الشعبية التي يقودها جيل لم يعاصر الخميني ولا يكترث لسرديات الحرب مع العراق، كانت صدمة سوسيولوجية للنظام. هؤلاء الشباب، المسلحون بالإنترنت والباحثون عن “حياة طبيعية”، لا يرون في “وحدة الساحات” انتصارا، بل يَرونها ثقباً أسود يبتلع مستقبلهم وثروات بلادهم.
والأنكى من ذلك، أن استراتيجية “الاقتصاد المقاوم” التي تفاخرت بها النخبة الحاكمة، تحولت في الواقع إلى “رأسمالية عسكرية” مغلقة، حيث يسيطر الحرس الثوري على الموارد، بينما تسحق الطبقة الوسطى تحت رحى تضخم جامح. هذا التحول السوسيولوجي جعل من “الداخل” الإيراني الخاصرة الأضعف في مواجهة التهديدات الصهيونية-الأمريكية الراهنة. فالنظام الذي كان يهرب من أزماته بتصديرها للخارج، يجد نفسه اليوم محاصرا بمطالب جيل يرى في “العدو المتخيل” شماعة استهلكت تماماً.
بالنظر إلى المستقبل، ومع تزايد قرع طبول الحرب وتلويح ترامب بضرب عسكرية، تبدو إيران وكأنها استنفدت مخزون المناورة. إن المراهنة على الوكلاء في المنطقة قد تؤمن ردعا مؤقتاً، لكنها لا تبني استقراراً دائماً. لحظة الحقيقة التي تقترب ليست عسكرية بالضرورة، بل هي لحظة “المكاشفة السوسيولوجية”: هل يمكن لنظام ثوري أن يتحول إلى دولة مؤسسات طبيعية قبل أن ينفجر المجتمع من الداخل؟.
إن بقاء إيران كلاعب إقليمي وازن لم يعد يعتمد على عدد الطائرات المسيرة أو أجهزة الطرد المركزي، بل على قدرتها على مصالحة شارعها المقموع.
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط دائماً بضربات خارجية، بل غالبا ما تنهار عندما ينقطع الخيط الرفيع الذي يربط النخبة الحاكمة بآلام الناس وآمالهم. والسؤال القائم الآن: هل سيتمكن حائكو السجاد في طهران من رتق هذا الثقب الواسع في ثوب شرعيتهم، أم أن اللوحة قاربت على التمزق؟.

